عبد الملك الخركوشي النيسابوري

283

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

وقال منصور بن عمّار : طوبى لمن أصبح والعبادة حرفته ، والفقر مبيته ، والعزلة شهوته ، والآخرة همته ، وجعل الموت فكرته ورجا بالتوبة رحمته . وكان الثورىّ يقول : واللّه لقد حلّت العزلة . - وسئل بعضهم عن قوله عزّ وجلّ : وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ « 1 » ، فقال : عن الكون وما سواه متجردون وبربهم منفردون . وأنشدت : أنست بوحدتى ولزمت بيتي * فطاب العيش لي ونما السرور وأدبنى الزمان فليت أنى * هجرت فلا أزار ولا أزور ولست بسائل ما صحّ عقلي : * أسار الجند أم ركب الأمير وقيل لداود الطائي : لم لا تجالس الناس ؟ فقال : اللهم غفرانك ، إما صغير لا يوقّرك ، أو كبير يحصى عليك عيوبك ، قال : فإذا سلّم الإمام جاء داود الطائي مسرعا كأنه رجل هارب حتى يدخل بيته . وقد قيل : إذا أراد اللّه عزّ وجلّ أن ينقل العبد من ذلّ المعصية إلى عزّ الطاعة ، آنسه بالوحدة ، وأغناه بالقناعة ، وبصّره عيوب نفسه ، فمن أعطى ذلك فقد أعطى خير الدنيا والآخرة . - وسئل بعض الحكماء : ما أكثر ما يجد الرجل في الخلوة ؟ فقال : الراحة من مداراة الناس ، والسلامة من شرّهم . وقال وهيب بن الورد : خالطت الناس خمسين سنة ، فما وجدت رجلا غفر لي ذنبا فيما بيني وبين نفسه ، ولا ستر لي عورة ، ولا أمنته إذا غضب ، فالاشتغال بهؤلاء حمق كبير . وقيل للجنيد : متى تصحّ الوحدة ؟ قال : إذا اعتزلت عن نفسك ، وأخذت في درس ما كتبت في أمسك . وقال الفضيل بن عياض : إنه ليطلع علىّ الليل فيسّرنى ذلك لخلوتى بربّى عزّ وجلّ ، وإنه ليطلع الصبح فيدركنى منه غم لكراهية لقاء الناس ، فإنهم يشغلونى عن ربّى عزّ وجلّ . وعن شقيق قال : العبادة عشرة أجزاء ؛ فتسعة منها في الهرب من الناس ، وواحدة في السكوت .

--> ( 1 ) سورة المؤمنون : 3 .